آخر الأخبار
الطاقة تكشف تحركاتها لإعادة ربط سد مروي بالشبكة الكهربائية تفاصيل مثيرة تكشف تحركات إماراتية في قطاع تعدين الذهب بالسودان رجل الأعمال أسامة داوود غادر العاصمة السودانية الخرطوم وهبطت طائرته في مطار القاهرة والي الخرطوم يدعو لإعادة تخطيط العاصمة تدشين اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد لتوحيد إدارة الملف الاقتصادي الإعدام شنقًا حتى الموت لقاتل فتاة حي التضامن بالقضارف الهلال يودّع سيكافا تجدد الاشتباكات بين تيجراي والحكومة الإثيوبية.. هل تعود الحرب الأهلية من جديد؟ لحظات رعب على كوبري الحواتة توجيهات جديدة من وزير المالية مناوي يهنئ أبطال حجر مرفعين وبئر سليبة الجيش يحبط هجوم للمليشيا على بئر سليبة ويقتل قائد المجموعة المهاجمة  الجمارك السودانية: الطاقة الشمسية معفاة تماماً من الرسوم الجمركية سهير عبد الرحيم تكشف تفاصيل عرض على طاولة البرهان بشأن علاج جذري لمشكلة الكهرباء بالصور .. الجيش يضع يده على مخازن إضافية للأسلحة والذخائر في جبرة الشيخ تجاوزات بالمؤسسات العلاجية الخاصة والصيدليات بـ"مدني" الجيش يصد هجوم على كرنوي ويكبد المليشيا خسائر فادحة إزالة وإغلاق 12 موقعاً عشوائياً بشارع النيل بالخرطوم معركة ذات النقاب ..!! قوات درع السودان ترد على نقابة الصحفيين وتوضح بشأن إعتقال الصحفي الريح جكسا

ضياء الدين بلال يكتب .. أيلا ( رحل السياسي العضوي المضاد)

أيلا ( رحل السياسي العضوي المضاد).
ضياء الدين بلال .. يكتب

كثيرون، مع سماعهم خبر رحيل الدكتور محمد طاهر أيلا، استعادوا مشهد الاستقبال الحاشد الذي حظي به عند عودته إلى أرض الوطن بعد غياب ناهز الأربع سنوات.
ذلك الاحتفاء لم يكن وليد صدفة، بل كان ثمرة تجربة استثنائية في الحكم والإدارة، تابعنا فصولها في ولايتي البحر الأحمر والجزيرة، ثم في شهوره القليلة بمجلس الوزراء.

إذا كان أنطونيو غرامشي، المفكر الإيطالي الماركسي، هو أول من صاغ بوضوح فكرة «المثقف العضوي» مقابل «المثقف التقليدي»، فإن أيلا جسد عملياً مفهوم «السياسي العضوي المضاد»؛ السياسي الذي يقف ضد أنماط الساسة السائدين، ويخوض تجربته بوعي وفاعلية خارج الأطر النمطية المعتادة.

قدّم أيلا نموذجاً مغايراً لثقافة النادي السياسي التقليدي التي أرساها مؤتمر الخريجين وجمعيات أبوروف والهاشماب. ففي حين اكتفى كثير من السياسيين بالشعارات والخطب، اختار هو أن يجعل السياسة عملاً معاشاً للناس، لا تجارة بالأوهام.

في زمن كان السياسيون فيه يتنازعون المواقع دون إنجاز يذكر، جاء أيلا بعقل إداري عملي، جعل الأرقام تتحدث والنتائج تُرى.
لم يبتكر موارد جديدة، لكنه أوقف الصرف العبثي، ورشد الإنفاق الحكومي حتى بلغ حد الكفاف، فأغلق منافذ الفساد ووسع خدمات التعليم والصحة والطرق، فنال رضا الناس وسخط المفسدين.

لم يكن ساحراً ولا بهلواناً سياسياً، بل كان رجل أرقام وحكمة، يدير الموارد بوعي ويصرفها فيما ينفع الناس. في قاموسه، السياسة ليست خطباً ولا وعوداً، بل إنجازات ملموسة يراها المواطن في حياته اليومية. ولهذا أحبه الناس، لأنهم وجدوا فيه المسؤول الذي يخدمهم بصدق ودون وسطاء.

ومن بين جميع من تقلدوا المناصب في عهد الإنقاذ، لم يبلغ أحد ما بلغه أيلا من محبة الناس وشعبيتهم، في الشرق كما في الجزيرة. أحبّه الناس لأنه كان قريباً منهم، ينصت إليهم ويعمل لأجلهم، دون أن يتوسل المجد عبر الحزب أو القبيلة.

واجه استهدافاً من بعض رفاقه في التنظيم الحاكم، لكن الجماهير كانت حائطه المنيع وسنده الصادق، ترد عنه حملات الكيد بما تعرفه من سيرته وما تراه من إنجازاته.
رأوه وهو يعبد الطرق، ويهتم بالمستشفيات والمدارس، ويبتكر مشاريع لدعم الشرائح الضعيفة وأصحاب المهن البسيطة.

جعل للنظافة قيمة، وللعمل قداسة، وللوقت ثمناً، وللكلمة معنى. لم يكن يكثر من الظهور الإعلامي أو الخطابات الجماهيرية، لأن فعله كان أبلغ من قوله. حارب الفساد بشجاعة، وفكك المؤسسات الوهمية، ورفض أن تُهدر أموال الدولة في مشاريع الشعارات الزائفة.

لم يكن التأييد الشعبي الذي حظي به مجرد إشادة بإنجازاته، بل كان أيضاً رسالة رفض لأولئك الذين جعلوا السلطة وسيلة للامتيازات لا لخدمة الناس. فقد غيّر أيلا وجه الإدارة في الجزيرة، وأنهى عهد المرتبات الوهمية والمناصب الشكلية، وأعاد المال العام إلى موضعه الطبيعي في خدمة المواطن.

علّمنا أيلا أن المواطن لا يُخدع بالشعارات، ولا ينحاز إلا لمن يخدمه بإخلاص. وكان الأمل معه أن تُطوى صفحة السياسي الذي يتأنق بالمظاهر ويكتفي بالقول، لتُفتح صفحة السياسي الفاعل الذي يصنع الفرق بالفعل والإنجاز.

رحم الله محمد طاهر أيلا، فقد علّمنا أن محبة الجماهير لا تُشترى بالهتاف، بل تُكتسب بالعمل، وأن النجاح الحقيقي يُقاس بما يُترك للناس من أثر طيب وعمل باق في الأرض.

قد يعجبك ايضا